الشرق الأوسط من نافذة تركيا 16

تحليل للعملية الأمريكية ضد قاعدة الشعيرات و تأثيراتها على المنطقة بقلم جميل دوغاج إيبك من قسم العلاقات الدولية بجامعة آتاتورك.

الشرق الأوسط من نافذة تركيا 16

 

قامت طائرات نظام الأسد قبل فترة بتنفيذ هجوم كيميائي إستهدف المدنيين ببلدة خان شيخون التابعة لمحافظة إدلب السورية. وردت الولايات المتحدة الأمريكية على ذلك بتوجيه ضربة صاروخية إلى القاعدة الجوية التي إنطلقت منها طائرات النظام السوري التي نفذت ذلك الهجوم الكيميائي. فقد أطلقت الولايات المتحدة 59 صاروخاً من طراز " توما هوك" على قاعدة الشعيرات الجوية الكائنة في حمص. و حسب البيان الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية فإنه بناءً على تعليمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد جرى ضرب القاعدة الجوية المذكورة بصواريخ موجهة.

و كما نتذكر فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أعلنت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أن إستخدام السلاح الكيميائي في سوريا يعتبر خطاً أحمراً بالنسبة لها. و لكن على الرغم من إستخدام نظام الأسد السلاح الكيميائي لغير مرة فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد تغاضت عن ذلك. و إن الضربة الصاروخية الأمريكية الأخيرة أظهرت إختلاف إدارة ترامب عن إدارة أوباما بهذا الشأن. و لكن في المرحلة الراهنة لا نعلم هل أن الضربة الأمريكية الموجهة إلى النظام السوري ستعقبها ضربات أخرى أم لا.

إن التطور المذكور أثار في أذهان الرأي العام العالمي قبل كل شيء تساؤلات حول حصول تغيير من عدمه في السياسة الأمريكية بشأن سوريا. و كانت التصريحات السابقة للمسؤولين الأمريكيين تشير إلى أن " أولويتهم لا تتركز على رحيل الأسد". و لكن إثر الهجوم الصاروخي الأمريكي الأخير حلت في محل هذه التصريحات عبارات من قبيل " عدم إمكانية الحديث عن الحل السياسي بدون رحيل الأسد". وفي تصريحها حول الموضوع كانت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي قد أفادت أن لبلادها ثلاث أولويات في سوريا . و طبقاً لذلك فإن الإطاحة بالأسد ليست الأولوية الوحيدة بالنسبة لهم . فالهدف الأول هو إلحاق الهزيمة بتنظيم (داعش). و ثانياً ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا يمكن إحلال السلام في سوريا ببقاء الأسد. و ثالثاً ترمي أمريكا إلى إستبعاد النفوذ الإيراني من سوريا و أن الحل السياسي ستحقق بعد ذلك.

إن الوضع في سوريا تحوّل إلى  تهديد كبير بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة. و لدى بدئه بمهامه الرئاسية كان الرئيس ترامب قد أعلن عن كون إيران دولة إرهابية.و بالمقابل فإن إيران تُعتبر المستفيد الأكبر من الوضع القائم في سوريا. و بوسعنا القول أن الضربة الصاروخية الأمريكية التي أشرنا إليها كانت في ذات الوقت رسالة موجهة إلى إيران التي تُعتبر الداعم الأكبر لنظام الأسد. و لكن لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في توسيع إيران مجال نفوذها في المنطقة ينبغي عليها منع الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في سوريا من قبل  الفصائل التابعة لإيران.

و يتعين عدم إقتصار الضربات الأمريكية على الرد على إستخدام السلاح الكيميائي فقط ، بل يجب القيام بهذه الضربات في ذات الوقت لمنع النظام من إرتكاب المذابح الأخرى أيضاً ضد المدنيين. و بحسب ما نعلم توجد في سوريا حالياً 26 قاعدة جوية تستخدم لقتل المدنيين بالأسلحة التقليدية. و غالبية المدنيين الذين لقوا مصرعهم في سوريا منذ عام 2011 و حتى الآن قُتلوا بالأسلحة التقليدية و ليست بالأسلحة الكيميائية.

إن تركيا تطالب بالقضاء على سلاح الجو العائد للأسد بإعتباره أهم قوة يستخدمها لضرب المعارضيين و المدنيين. كما أن تركيا ترى أن رد فعل المجتمع الدولي إزاء الهجمات الكيميائية في سوريا كان محدوداً و غير كافياً. و تدعو تركيا المجتمع الدولي إلى الوفاء بهذا الصدد بمتطلبات القانون الدولي.

و على الأمد القصير من غير المنتظر لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير جذري لسياستها المتعلقة بسوريا. غير أن بعض التغييرات ستطرأ على هذه السياسة. و على سبيل المثال يمكن إتخاذ تدابير إضافية بشأن وضع قيود على بعض نشاطات نظام الأسد و اللجوء إلى زيادة الدعم الأمريكي للمعارضة السورية المعتدلة من قبيل الجيش السوري الحر فضلاً عن القيام بمبادرات على الصعيد الدبلوماسي لتضييق الخناق على نظام الأسد.

و حسبما يستدل من التصريحات الأولى للمسؤولين الأمريكيين فإن الغاية الأساسية للضربة الصاروخية الأمريكية لقاعدة الشعيرات الجوية هي الرد على الهجمات الكيميائية لنظام الأسد. و كانت روسيا و إيران قد أعربتا عن إدانتهما للضربة الصاروخية الأمريكية. فيما أعلنت بريطانيا و فرنسا و تركيا و المملكة العربية السعودية و إسرائيل عن دعمها لها. و ضمن هذا الإطار أعرب المسؤولون الأتراك بما فيهم رئيس الجمهورية أردوغان عن دعمهم للولايات المتحدة الأمريكية. و من حيث الأساس كانت تركيا قد إتخذت منذ بداية الأزمة السورية موقفاً واضحاً ضد نظام الأسد و طالبت برحيل الأسد. و العملية التي قامت بها إدارة ترامب ضد نظام الأسد مباشرةً و إن كانت محدودة ، فقد إعتبرتها تركيا بمثابة إشارة تدل على حصول تغيير في الموقف الأمريكي بهذا الصدد. كما أن تركيا إعتبرت العملية المذكورة غير كافية و تطالب بمواصلتها.

إن هذه التطورات ستفرز فرصاً و تهديدات جديدة بالنسبة لتركيا. و بسبب عدم فاعلية الولايات المتحدة الأمريكية و التحالف الدولي كانت تركيا قد لجأت إلى رسم سياستها الذاتية في سوريا من خلال تنفيذ عملية درع الفرات. وإن تركيا وبغض  النظر عن ماهية التطورات التي ستحصل في المسيرة المقبلة ستسعى إلى وضع أمنها تحت الضمانات في سوريا دون الإضطرار إلى الخيار بين الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا.

 

 



اخبار ذات صلة