منظور عالمي 33

الخسارة ليست بعلم النفس بل بالتموضع الموثوق

منظور عالمي 33

منظور عالمي 33

منظور عالمي 33

البروفسور قدرت بلبل

الخسارة ليست بعلم النفس بل بالتموضع الموثوق

 

 نقدم لكم تقييما بقلم البروفسور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بيازيد...

 

تحدثنا في الأسابيع الماضية عن أنواع التموضع و هي التموضع الرافض  و الخاضع و الحس السليم. على الرغم من ان التموضع الرافض  و الخاضع  هما نهجين متضادين الا انه هناك علاقة بينهما. فوجود الموقفين لدى المهاجرين و المسلمين الذين يعيشون في الغرب يمكن أن تيتج شرعية لبعضهم البعض. قد يكون الانفصال الكامل عن القيم الخاصة والاختفاء من المجتمع المتواجد فيه، اي النهج الرافض هو مصدر الهام للمجتمعات الخاضعة. و العكس صحيح. من ناحية أخرى، الموقفين (الرافض و الراضخ) قد لا يكونا ذات موقفا يمكن استيعابه بالكامل. فكلا الموقفين يعتبران موقفا متطرفا، عليهما اعادة إقناع الأفراد بأنفسهم كل يوم. قد تحصل انتقالات بين الموقفين. وهذا الامر يفسر سبب انضمام بعض المجتمعات التي لا علاقة لها بالقيم الدينية و التي تقوم بادارة ملاهي ليلية، و تبيع الكحول و تبدو مندمجة تماما: الى تنظيم داعش الارهابي.

لا يملك للموقفين الرافض أو المستسلم المساهمة الإيجابية في هذا النهج والمجتمعات التي تعيش فيها.

الخسارة ليست بعلم النفس بل بالتموضع الموثوق

إن الموقف المطلوب في الغرب اليوم،  بعيداً عن الرافض و المستسلم، هو موقف واثق يجد نفسه في موقف سعيد حليم باشا. فعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهها حليم باشا بخصوص قسوة الحرب العالمية الأولى و حصاره ، و طرحه الموقف ذات الحس السليم انما هو موقف يجب التركيز عليه .

في المجتمعات الغربية ، الخضوع و الاستسلام هما الحالة الاجتماعية التي يتم فيها الرفض بشكل رئيسي. ومع ذلك ، غالباً ما يلجأ المهاجرون إلى الرفض والاستسلام للأيديولوجيات والثقافات والأديان للتبرير.

عند النظر الى الأمر من زاوية المسلمين، نرى ان دين الاسلام، الذي يدّعي أنه يحل مشاكل البشرية جمعاء بداية من سيدنا آدم و حتى يومنا هذا لا يمكن أن يكون معادياً للمادة أو ضدها. بل هو ادعاء و رؤية و امكانية بحد ذاته. إنه وحدة بناءة. و تموضع شيء مقابل ضده، هو نقل ما تعارضونه الى المركز. فالإسلام يبدأ بكلمة لا عن رفض وظائف المعتقدات الأخرى. و في حالة التأمل فالعلم هو الممتلكات المفقودة في التعامل اذ يقال "اطلب العلم و لو في الصين". فما هو العلم؟ انه العلم والمعرفة والتقنية والطريقة والممارسة...

في هذا الصدد يمكن ان تكون علاقات نبينا الأكرم مع مجتمع جاهلية مكة ،دليلاً لنا. لان مجتمع جاهلية مكة كان كان  قعر الأنسانية. و العلاقة التي اسسها النبي الأكرم مع المجتمع كان بمثابة دليلا للمجتمعات و الأيديولوجيات الأخرى التي تعتبر اقل شرا. يمكن القول أن النبي محمد أسس ثلاثة أنواع من العلاقات مع المجتمع المكي. بعضها كانت مماثلة لمجتمع مكة من خلال الملابس و اللحية و السلوكيات. فلم يقوم نبيبا باضفاء تغييرات من هذا المنطلق. بل قام النبي بتصحيح بعض الشؤون الداخلية في مكة من خلال تصرفاته. على سبيل المثال قام بتقصير لحيته. فيما كانت هناك تصرفات رفضت تماما من قبل المجتمع المكي.

ان هذا النهج الثلاثي الذي يمكن تسميته بالنهج التحليلي للنبي الأكرم، هو أيضًا ذو معنى كبير ويفسر اليوم برؤية كل مجالات الحياة مثل الشرق والغرب والجنوب والشمال والحداثة وما بعد الحداثة والعولمة وما إلى ذلك. فالموقف الراضخ يغير من شخصيتنا. و المواقف الرافضة تماما تقود شبابنا للتيارات المتطرفة مثل داعش. في هذا السياق، فإن قاعدة (الأصل في الأشياء هو الاباحة) تعتبر من أهم قواعد القانون المدني العثماني الأخير (المجلة)، الذي يعتبر الحرية أساسية في الطبيعة / الحياة ، وهي وجهة نظر حاسمة تدعو الى التغلب على نفسية الهزيمة التي تتقمصها بعض المجتمعات في يومنا هذا.

عادة ما يتم إطلاق التفاعلات التي تظهر في العمليات التي ادخلت في عهد (التنظيمات) ما بين التفاعل والاستسلام. وفي هذا السياق لا ترتبط التقييمات والمقاربات الخاصة بالتنظيمات بتلك الفترة فقط. بل اننا نعيش اليوم عواقب الفترة التي بدأت مع (التنظيمات). و يتم ابداء ردود افعال في يومنا هذا مماثلة لفترة التنظيمات. لا يمكن ان نبقى في موضع المتفرج ازاء مواجهة العمليات التي تنتج وتغير بطريقة متعددة الأوجه. و هذه  العمليات تكون صعبة على الأفراد والجماعات والمؤسسات والبلدان. لذا عندما ننظر من هذا المنظور، نرى تطوير موقف ذي مغزى كبير تجاه الحداثة الغربية في الماضي من جهة و الموقف الهام لمسيرة الاتحاد الأوروبي وعمليات العولمة الحديثة من جهة أخرى. لكن لم يجرِ الحديث هنا عن تطوير بدائل. بالتأكيد لا بد من تطوير البدائل في بعض المواقف. ولكن تطوير البدائل في أي حال، هو تعبير عن أنفسنا خارج نطاق التهميش و البقاء بعيدين عن التطورات...

 

أياً كانت وجهتنا في هذا الإطار ، يجب علينا اعتماد منهج تحليلي غير الحركات الراضخة أو الرافضة.

على الجانب الآخر، من الضروري ان لا نرى الحياة / الموضوعات أمرًا لا حل له. فالاسلام دين اليُسر و ليس غير عادي أو متطرف.

نتيجة لذلك، علينا مواجهة الحقائق، بما في ذلك الغرب، بنظرة واثقة من انفسنا، دون الاستسلام للشعور بنفسية الهزيمة تجاه الظواهر والمفاهيم والمشاكل التي نواجهها في اطار

هذا المفهوم. انها في الحقيقة حكاية مسيرتنا التي بدأت من خرسان الى الأناضول و منها الى الغرب. لقد قمنا بإثراء أنفسنا من خلال كافة الثقافات التي صادفناها في إطار المبادئ العامة للقيم التي لدينا ، دون أي تردد. كمثل كرة الثلج التي يزداد حجمها كلما واصلت طريقها، فان كل الاختلافات التي واجهناها لم تكن مجرد مخاوفنا بل كانت مصدر ثروتنا. والحل ليس صعبًا كما هو معتقد. فكما صوّر لنا مولانا برقصته التي يثبت بها قدم فيما تدور فيها القدم الأخرى العالم بأسره كالمنقلة ، علينا تثبيت قدمنا التي تمثل قيمنا و تشكل شخصيتنا و هويتنا من جهة و ان نكون منفتحين على الاختلافات التي من شأنها اثراء عالمنا الذهني و تسهيل حياتنا من جهة أخرى.

اذا هل ان التموضع الصحيح سيكون كافيا لحل كافة المشاكل؟ هل سيصل بنا الى الشاطئ المنشود؟ هذا ما سنراه في البرامج القادمة.

 

قدمنا لكم تقييما بقلم البروفسور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بيازيد...           

: 863



اخبار ذات صلة