الشرق الأوسط من نافذة تركيا 10/2018

موقف جامعة الدول العربية حيال سوريا ، مقال بقلم الدكتور إسماعيل نعمان تلجي

الشرق الأوسط من نافذة تركيا 10/2018

 

أعقاب الحرب العالمية الثانية أخذت المنظمات الدولية بالتحول إلى لاعبين هامين للسياسة العالمية. واثناء تلك المسيرة جرى عام 1945 تأسيس جامعة الدول العربية بهدف التصدي المشترك للمشاكل التي تواجهها الدول العربية. ولكن الجامعة ولا سيما خلال الأعوام الأخيرة فقدت إعتبارها لدى الرأي العام العربي جراء أدائها الفاشل بشأنان الكثير من المسائل الإقليمية. وإن فشل الجامعة التي ظلت غير فاعلة بشأن وضع الحلول للقضايا الإقليمية ، في تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى إثارة التساؤلات حول سبب وجودها.

إن جامعة الدول العربية التي فشلت في بلورة هيكل يجمع البلدان العربية تحت سقف واحد و يشجع هذه البلدان على إتخاذ موقف مشترك ولا سيما ضد سياسات الاحتلال التي تمارسها إسرائيل في فلسطين ، كانت قد إلتزمت الصمت إزاء تفاقم الأزمة التي بدأت بين دول الخليج في يونيو/حزيران 2017. و الموضوع الآخر الذي تعاني الجامعة العربية من مصاعب في وضع الحلول له هو الحرب الأهلية المستمرة في سوريا. فالجامعة التي ظلت في موقف المتفرج إزاء مقتل مئات الآلاف من الأشخاص في سوريا و إضطرار الملايين الآخرين على الهجرة إلى دول أخرى ، تحولت إلى هيكل بلا وظيفة.

إن موقف الجامعة العربية حيال سوريا تحول خلال الأيام الماضية إلى موضوع لنقاشات دبلوماسية في وسائل الصحافة والإعلام الدولية. إذ أن لجوء الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط خلال إحدى جلسات مؤتمر الأمن في ميونخ إلى توجيه الإنتقادات للعملية التي تنفذها تركيا في منطقة عفرين السورية و إشارته إلى تدخل أنقرة في بلد عربي ، متبنياً خطاب الوحدة العربية ، كان قد قوبل برد فعل عنيف من جانب وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو الذي كان من أحد المتحدثين في نفس الجلسة. و أفاد الوزير جاووش أوغلو في معرض رده على تلك الإنتقادات أن لجوء أبو الغيط إلى إنتقاد تركيا في حين ظلت الجامعة العربية غير مبالية بسياسات النظام السوري ، هو سلوك لا مبرر له. و قال إن الجامعة عجزت عن منع زعيم إحدى الدول الأعضاء فيها من إستخدام السلاح الكيميائي و من قتل نصف مليون إنسان من شعبه ، و أضاف " إن لجوء الجامعة العربية إلى توجيه الإنتقادات إلى تركيا و إلتزامها الصمت إزاء الولايات المتحدة الأمريكية و الدول الغربية الأخرى التي تنفذ عمليات و هجمات عسكرية في سوريا ، هو سلوك مرفوض". و من أجل الفهم الأفضل لرد فعل الوزير جاووش أوغلو من الأهمية بمكان إجراء تحليل تاريخي لفشل الجامعة العربية.

إن جامعة الدول العربية التي أسست عام 1945 من قبل مصر و العراق و سوريا و لبنان و المملكة العربية السعودية و الأردن بهدف زيادة التعاون بين الدول العربية و شن كفاح مشترك ضد التهديدات الإقليمية ، تحولت بمرور الزمن إلى منظمة إقليمية تضم في عضويتها 22 بلداً. و على الرغم من ضمان الجامعة نوعاً من التعاون بالمعنيين الاقتصادي و الثقافي فإنها لم تستطع بلوغ الأهداف السياسية التي رُسمت في مرحلة تأسيسها. و أوضح مؤشر لهذا يتمثل ببقاء الجامعة بلا فاعلية في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.

إن الجامعة العربية التي دأبت منذ تأسيسها على الإعراب عن معارضتها لسياسات إسرائيل و إتخاذ القرارات المفتقرة إلى سلطة عقابية ضدها ، تعاني من مصاعب في تطوير سياسة مشتركة و رادعة ، بسبب إختلاف مصالح و أجندات أعضائها. و قد لوحظ هذا الوضع في أبسط حالاته في مقاطعة إسرائيل التي بدأت عام 1948. فمع مرور الأعوام لجأت الكثير من الدول الأعضاء إلى التغاضي عن المقاطعة التي قررت الجامعة فرضها على إسرائيل. و أقدمت مصر و الأردن اللتين وقعتا إتفاقيات للسلام مع إسرائيل عامي 1979 و 1994 إلى إنهاء المقاطعة. كما أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية كانت قد أنهت المقاطعة بموجب الإتفاقية التي أبرمتها مع إسرائيل عام 1993. وفي العام 1996 إتخذت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قراراً بالإنهاء الرسمي لمقاطعة إسرائيل بدعوى أنها تعرقل عملية السلام في المنطقة. علماً أن دول الخليج كانت لا تشارك أصلاً في هذه المقاطعة إلا على نحو محدود.

و طيلة الثورات العربية التي إنطلقت عام 2010 لوحظ على نحو أوضح مدى فشل الجامعة العربية في تسوية المشاكل و التحرك المشترك. فالجامعة ظلت عاجزة عن إنتاج حل سلمي للحرب الأهلية المستمرة في سوريا و اليمن.

وفي النقطة التي تم بلوغها يلاحظ أن الجامعة العربية قد إبتعدت عن غايتها المتمثلة بزيادة التعاون بين دول المنطقة. و المؤشر الأخر لهذا الوضع هو التطورات التي حصلت في سياق الأزمة الخليجية التي بدأت في يونيو/حزيران من العام الماضي. إن مصر التي تعتبر أقوى دول الجامعة العربية كانت قد إنضمت إلى قرار المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة و البحرين  بشأن فرض عقوبات سياسية و إقتصادية على قطر. و إلتزمت الجامعة العربية التي ترمي إلى تدعيم التعاون السياسي و الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي بين الدول الأعضاء ، إلتزمت الصمت إزاء هذه العقوبات. و في النتيجة يمكن أن نخلص إلى القول بأنه في ظل الوضع السياسي الراهن فإن الجامعة العربية باتت منظمة فقدت وظائفها و إنتهت مدة صلاحيتها. و تدور حالياً الكثير من التساؤلات الجادة حول شرعية الجامعة التي تتألف غالبية أعضائها من إدارات سلطوية في وقت باتت فيه الدمقرطة تشهد إنتشاراً بالمعنى العالمي. و هذا الوضع قد أظهر نفسه على نحو أوضح مع

تطور حصل عام 2016. إذ أن تخلي المغرب عن إستضافة القمة السابعة و العشرين للجامعة العربية بسبب وجود خلافات بين الدول الأعضاء، كان قد أثار الصدمة لإدارات دول المنطقة. و أصدرت وزارة الخارجية المغربية في حينها بياناً بهذا الصدد جاء فيه " أمام غياب قرارات هامة ومبادرات ملموسة يمكن عرضها على قادة الدول العربية فإن هذه القمة ستكون مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية وإلقاء خطب تعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين دول العالم العربي". و كان من المقرر عقد تلك القمة في مارس/آذار من ذلك العام ، غير أنه  لم يعقد إلا في يوليو/تموز بإستضافة موريتانيا.

و على ضوء هذه المستجدات فإن رد فعل الأمين العام للجامعة العربية أحد أبو الغيط إزاء العملية التي تنفذها تركيا في عفرين ينبغي إعتباره رؤية شخصية أكثر من كونه تطوراً يعكس موقف الجامعة.



اخبار ذات صلة